اشكالية الديمقراطية والإعمار بالعراق: قراءة في فكر الشهيد الصدر

مقالات الدكتور كمال البصري
اشكالية الديمقراطية والإعمار بالعراق: قراءة في فكر الشهيد الصدر
الاصدقاء والاعزاء جميعا
السلام عليكم
طلب مني الصديق الدكتور السيد حسن الصدر ممثل رابطة الشهيدين الصدريين بلندن بتقديم كلمة في مناسبة استشهاد السيد محمد باقر الصدر في يوم 9-4-2016 : ادناه فحوى مقالي (في حالة الرغبة بالحصول على نسخة من البحث التفضل بزيارة موقعي على Kamal Field Face book ) في تاريخ 3-4-2016.
………………………………………………………………………………………………
إشكالية الديمقراطية والإعمار بالعراق: قراءة في فكر الشهيد الصدر
د. كمال البصري
نيسان 2016
من الموضوعات المؤرقة والمؤلمة لنا هي إشكالية الديمقراطية والإعمار، نسعى في هذه المقالة الى الكشف عن عوامل ومضمون الاشكالية، وذلك من خلال قراءة معاصرة في فكر الشهيد الصدر في ذكراه السنوية لاستشهاده.
أتحف الصدر ميدان الثقافة والعلوم الاجتماعية تراثاً فكرياً متميزاً، في وقت كانت الأمة تعيش صراعاً فكرياً مريراً مع التيارات الفكرية السائدة في الساحة الفكرية حينها. ففي المجال الفلسفي والاقتصادي تألق الصدر بالكشف عن كنوز التراث الاسلامي وطرحها بأسلوب معاصر، وتناول بإقتدار المدارس الفلسفية المختلفة مؤشِّراً على نقاط القوة والضعف. وتوقَّع الصدر بأنَّ المدرستين الرأسمالية والاشتراكية سوف تواجهان العجز بحل معادلة المشكلة الاجتماعية بخلق القيم والمفاهيم الضرورية لايجاد الوئام بين المصالح الخاصة والعامة.
أشار الصدر الى ان التجربة الاشتراكية لا تستطيع أن تزوِّد الفرد بالطاقة الخلاقة للإبداع والمنافسة في السوق العالمية، فإن غياب الدافع الفردي الضروري لتحقيق الصالح العام سيؤدي الى أفول نجم الاشتراكية عن مسرح الحياة الاقتصادية، والحوادث التاريخية سجَّلت مصداقية ذاك التنبؤ الفكري المتقدم. كما أكَّد الصدر ان التجربة الرأسمالية رغم مرونتها وقدرتها على التكيّف لمواجهة الصعوبات، فهي الأخرى ستواجه اختناقاً حاداً، ما دامت لا تستطيع كبح جماح المصلحة الخاصة لصالح المصالح العامة، وان ما واجهه العالم الرأسمالي في الأمس القريب من أزمة مالية عام 2008 تتجسد بالافراط في الحرية الخاصة الاقتصادية للمصارف على حساب الصالح العام. عليه فقد قاد الازمة الى ضرورة تدخل الدولة باقتصاد السوق، بعدما كان المعتقد السائد ان “تدخل الدول يمثل مشكلة وليس الحل”.
يهمنا في هذا اليوم أن نبحث فيما اذا للصدر دور في تفسير الاشكالية المشار اليها اعلاه. نقول اننا لا نختلف بان الاشكاالية التي نعيشها اليوم هي نتاج أنانية الفرد او الكتل السياسة بتغليب المصلحة الخاصة على العامة، هذا الخلل أصبح سبباً اساسياً في تعطيل العمل بقيم الديمقراطية المتجسدة بمفردات الحكم الرشيد، ومن ثم الى غياب الحوافز بالدوائر الحكومية للعمل وفق ما يحقق المصلحة العامة.
لقد اقبل العراق على الديمقراطية بساق واحدة (باستخدام اليات التصويت) دون اكتراث لقيم الديمقراطية المتمثلة بمفردات الحكم الرشيد (بالعمل بالشفافية وسيادة القانون والمشاركة والكفاءة … الخ). فالمنتخب لايراعي حقوق الناخب (المواطن) بتطبيق الحكم الرشيد وهي حالة مدانه وفيها تجاوز على “العقد الاجتماعي”. فالمواطن عندما يقدم صوته الانتخابي يتوقع من المنتخب العمل للصالح العام من خلال تفعيل مبادئ الحكم الرشيد. وانتهى الامر ان يكون الحال العراق كمن “فاز بالديمقراطية وخسر سيادة القانون”.
ان ما يطفح على السطح من صراع بين الكتلة (س) والكتلة (ش) هو تنافس سياسي بحت لا اساس له في تحقيق اي مصلحة وطنية عليا، وهو نابع من فقدان الثقة بسب غياب الحكم الرشيد الذي يؤمن للجميع الحق في الوطن بحسب القدرة والكفاءة. لقد ركب المتنافسون فشل مؤسسات الدولة في تقديم الخدمات العامة الى تهام احدهم الاخر بالطائفية لاغراض الكسب السياسي، وترتب على ذلك ان دفع المواطن والوطن ثمنا باهضا.
كان المفكرون الاقتصاديون يعتقدون الى وقتٍ قريب أن نظام السوق وحده قادر على تجاوز مشكلات النظام الاشتراكي، دون الاشارة الى أهمية الإطار العام الذي يجب ان يحتضن التعامل الاقتصاديا او الى البيئة السياسية والثقافية، ولكن المشكلة برزت عندما تحولت بعض الدول الاشتراكية الى نظام السوق وفشلت في جني ثمار الاصلاح. عندها بدأ الحديث عن اهمية رأسمال السياسي الداعم لسيادة القانون كشرط ضامن لنجاح الاصلاحات الاقتصادية (من خلال تطبيق سياسة العقاب والثواب بدون اي تميز).
ازاء تلك المشكلة بين الصدر(قبل غيره من مفكري الاقتصاد واخص “Douglass Norton” الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد 1993) ان سلامة الأداء الاقتصادي لا تتوقف على توفر عناصر الانتاج بل تمتد (على حد تعبيره) الى الإطار العام الذي يحمي الممارسات الاقتصادية من الوقوع في فخ الصراع بين المصلحتين الخاصة والعامة، وبيَّن ان الدين من خلال حوافز التضحية والايثار (التحديد الذاتي) ومن خلال سلطة القوانين (التحديد الموضوعي) هو الاطار الأقوى لتوفير الانسجام بين المصلحتين، كما أشارفي فصل يحمل عنوان (لاقتصاد جزأ من كل) ان يكون الاقتصاد جزأ منسجما مع المنظومة السياسية والقضائية والثقافية لكي يستطيع أن يتصدى للمشكلة. عليه فان الاشكالية المشار اليها سببها غياب “الاطار العام” الضروري ينظم العلاقة بين المصلحة الخاصة والعامة بحسب تعبير الصدر وفي الأدبيات الاقتصادية والسياسية المعاصرة يشار لها “برأسمال السياسي” الذي يجب ان يحتضن التعاملات الاقتصادية والذي يدفع باتجاه الحكم الرشيد.
نستنج بانَّ مشكلة العراق هي ليست بضعف رأسمال الاقتصادي الذي يمثل الأصول الرأسمالية كالأراضي والمباني والمكائن والأرصدة النقدية، ولا برأسمال البشري المتمثل بالقوى البشرية الفنية، بل في ضعف رأسمال السياسي وبتعبير اخر ضعف الارادة السياسية الضرورية لفرض مفردات الحكم الرشيد، وتبعا لذلك لا عجب ان تكون مؤسساتنا الحكومية ضعيفة مخيبة للامال عاجزة عن ضمان الحقوق بفرض سياسة العقاب والثواب.
المقالة تقترح إنَّ الحل الشامل لإشكالية الحكم بالعراق يتجسد بشراكة التخطيط والعمل بين الحكومة من جهة وبين منظمات المجتمع غير الحكومية الثقاقية والدينية من جهة أخرى للعمل وفق منهجية محدَّدة تهدف بالأساس تنمية روح المواطنة الصالحة ودعم سيادة القانون.

Comment here