قراءة معاصرة في فكر السيد محمد باقر الصدر

قراءة معاصرة في فكر السيد محمد باقر الصدر

الدكتور كمال البصري

يهدف المقال اولا الى بلورة رؤية جديدة، لتفسير اشكالية احتقان التنمية الاقتصادية بالعراق، وثانيا ربط الرؤية الجديدة بالمنطلقات الفكرية، التي طرحها السيد الصدر في اواخر الستينيات، عندما تحدث عن الاطار العام لضمان حسن اداء الاقتصاد الاسلامي. ثالثا يوضح  دور الرأس المال الاجتماعي والسياسي في الارتقاء بمستوى  الخصوبة الضرورية، لتحقيق التنمية الاقتصادية، (حيث تختلف الخصوبة من دولة إلى أخرى بحسب مستوى توفر الحوافز  والضوابط الذاتية للفرد والموضوعية الحكومية الضرورية لحماية الحقوق العامة والخاصة  )

عموما هناك أربعة رؤوس أموال ضرورية لتحقيق اي عملية تنموية، وان التفاوت بينهم يفسر حالة التفاوت في تحقيق التنمية بدول العالم:

– رأس المال الاقتصادي ( يمثل الموارد المالية والمادية المتاحة(

-راس المال البشري (يمثل المهارات الفنية المتوفرة) وكلاهما يمثلان عوامل الانتاج الضرورية (التي طالما تشير لهما المؤلفات الاقتصادية حصرا )

– رأس المال الاجتماعي (يمثل القيم والعادات والسلوكيات السائدة، التي تضفي قيمة حقيقية للنشاطات الاقتصادية (

– رأس المال السياسي (يمثل قوة الحكومة في تطبيق القانون وتطبيق بقية مفردات الحكم الرشيد) وكلاهما يمثلان البيئة الاجتماعية والسياسية الحاضنة للعملية التنموية الاقتصادية، والتي عبر عنها بمستوى الخصوبة (ولا تجد لهما اشارة واضحة بالأدبيات الاقتصادية (
التجارب التنمويَّة العالميَّة برهنت على أهمية رأس المال السياسي ودوره المتميز في تكوين وتقويم رؤوس الأموال الاخرى، فالتجربة السياسية السنغافورية الرائدة
صنعت رأس مال بشريا واجتماعيا , الامر الذي شجع المستثمرين الاجانب في جلب رؤوس الاموال الاقتصادية واقامة مختلف النشاطات داخل سنغافورة،  لا عجب ان ترى مواطني دولة ما ذات مستوى خصوبة اقتصادية واطئة، لهم دور متميز  في الاداء ومختلف عن دورهم في الدولة الام (يسهل تصور دور الخصوبة المشار لها اعلاه، بمقارنة الاختلاف بفعالية ماء البحر وماء  النهر في دفع الجسم الغاطس بالماء(
بالمعنى العام الخصوبة ضرورية في رفع مستوى الانتاج الزراعي، وان عدمها يعيق حتى في حالة توفر الايدي العاملة والبذور المحسنة والمكننة الحديثة في تقديم مستوى انتاج زراعي مقبول.  وعليه تأتي أهمية موضوع الخصوبة بأنها تفسر تقدم وتأخر الدول في تحقيق التنمية.

  من مؤشرات الخصوبة في دولة ما هي مقدار ثقة المواطنين بالجهاز التربوي والتعليمي  ومدى احترام الموطنين للضوابط والقوانين السائدة  كحركة المرور في الطرق على سبيل المثال.. الخ.

عالميا نستطيع ان نفسر التفاوت بالاداء الاقتصادي التنموي من خلال “مفهوم الخصوبة” فالتقدم الاقتصادي في روندا وسنغافورا وتركيا لا يمكن ارجاعه الى توفر الثروات الطبيعية او توفر عوامل الانتاج فقط (بالمقارنة بالاداء المتخلف لدول مثل نيجيريا والعراق والسعودية)، فالمجموعة الاولى من الدول تتمتع بمواطنين لهم قدرة نسبية على احترم الحقوق، سواء كانت خاصة او عامة، كما ان لهم حكومات قادرة باعتماد مفردات الحكم الرشيد ( الممارسات الحميدة والتي تتجسد باعتماد الجدوى والشفافية وتحمل المسؤولية  والمشاركة بصنع القرارات والسعي الجاد لتشريع وتطبيق القوانين والاجراءات الحكومية النوعية… الخ).

 عند مقارنة حصة الفرد العراقي بالناتج المحلي الاجمال بحصة نظيريه المواطن السنغافوري، نجد أنها 6 آلاف و 48 الف دولار على التوالي (رغم أن العراق يمتلك ثروة نفطية كبيرة تفتقر لها سنغافورة).  وعند مقارنة العراق برواندا نجد ان معدل النمو الاقتصادي 2 بالمئة و 8 بالمئة على التولي. سياسيا رواند بدأت حكما جديدا ووضعت دستورا عام 2005 (وهي حالة مماثلة للعراق، حيث شرع الدستور العراقي بالسنة نفسها).  في عام 2008 كان وضع الاداء الحكومي لرواندا متخلفا عن العراق غير انها بعد هذا خطت خطوات اصلاحية  تفوقت كثيرا على حالة العراق واحتلت مرتبة بالنمو تضاهي الصين.

حاليا مستوى الخصوبة بالعراق منخفض جدا (بسب التردي والضعف في قيمة رأس المال الاجتماعي والسياسي )، وحالت هذه الحالة دون تحقيق اي انجاز تنموي، حيث تعثر تطبيق الستراتيجيات الحكومية (والتي تشمل ستراتيجية الصناعة والطاقة والاسكان.. الخ)، وذلك

بسبب:

1 – تدهور قيمة راس المال الاجتماعي المتمثل بالقيم والعادات الحميدة التي تصون الإنسان من التجاوز على حقوق الآخرين، بما في ذلك الحقوق العامة
(بمعنى ضعف الحوافز الذاتية )  ان مسؤولية هذا التدهور مزدوجة وتعود الى غياب دور الحكومة الرائد وغياب الدور المبرمج للمؤسسات الدينية والثقافية.

2 – تدهور قيمة راس المال السياسي بسب تعدد مراكز القوى ومن ثم عدم القدرة على تطبيق مفردات الحكم الرشيد (بمعنى ضعف الحوافز الموضوعية )
لتعزيز الاعتقاد بأهمية الخصوبة الاقتصادية في تحقيق التنمية ندرج الامثلة التالية:
اولا: كوريا الشمالية والجنوبية كانتا قبل الحرب العالمية الثانية دولة واحدة، الا انه بعد الحرب كان الخيار السياسي للطرف الجنوبي مغايرا للطرف الشمالي، نجم عن ذلك أن يكون للمواطنين قيم وعادات وحوافر مختلفة، وعلى صعيد الإدارة السياسية ايضا ضوابط عمل مختلفة، بالنتيجة أصبحت الخصوبة الجنوبية مغايرة لتك التي بالشمالية ومن ثم اختلف مستوى التنمية بكلا الدولتين بفارق كبير.

ثانيا: بين الولايات المتحدة الاميركية والمكسيك هناك مدينة نوغاليس (Nogales) تطور فيها الجانب المحاذي للولايات المتحدة الاميركية بشكل مختلف عن الجانب الاخر، وذلك بسبب طبيعة رأس المال السياسي، الذي تجسد بتشريع القوانين والاجراءات النوعية. على صعيد المكسيك نفسها وجد أن التطور الاقتصادي مختلف بين المناطق لأسباب ترجع الى نوعية راس المال السياسي المحلي (نوعية الحكم الرشيد (

ثالثا: بالقوة نفسها يمكن الاشارة الى المانيا الشرقية والغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت المانيا بكاملها محطمة، الا أن الجانب الشرقي تطور ونمى بشكل متواضع بالنسبة الى الجانب الغربي (فمستوى المعيشة مثلا بالجانب الشرقي كان يعادل خمس الجانب الغربي (

رابعا: روندا والعراق كانا يعانيان من انقسام مجتمعي وكلاهما دفعا ثمنا باهظا
في عام 2005 تم اقرار دستور وتشكيل حكومة جديدة بالدولتين، عند المقارنة بين اداء الدولتين خلال الفترة 2008 –  2014 نجد أن مستوى سيادة القانون ونوعية القوانين، قد تحسنت في روندا اكثر بكثير مما هو الحال في العراق، وانعكس ذلك علي معدل النمو الاقتصادي، الذي بلغ 8 بالمئة وهو اقل بكثير عن حالة نمو الاقتصاد العراقي، على صعيد العراق مع ان اقليم كردستان جزء من العراق
(قبل عام 2003 كان الاقليم متخلفا في نواحٍ كثيرة للأسباب السياسية المعروفة) ولكن بسب الاختلاف النسبي في قوة و وحدة الارادة السياسية، والتي انعكست على ارتفاع قيمة رأس المال السياسي، ادت الى أن يكون الاداء الاقتصادي مختلفاً عما هو في باقي انحاء العراق .

ما علاقة ما تقدم بفكر الشهيد  محمد باقر الصدر  ؟

الحقيقة ان السيد الصدر أول من تحدث عن الخصوبة (بشكل غير مباشر ) بالإشارة إلى تطبيق المنهج الاقتصادي الإسلامي، فقد أشار  في أواخر الستينيات من القرن المنصرم  (بكتاب اقتصادنا وبالفصل الخاص بالاطار العام للاقتصاد الاسلامي) الى ان نجاح التجربة الاقتصادية الاسلامية يتوقف على مقدار :

1 – التزام الأفراد بالقيمة الإسلامية المتمثلة بالعمل الصالح ( التضحية والايثار ) والتي تدعو لها الأديان بمعنى الدعوة الى رفع قيمة رأس المال الاجتماعي.

2 – مقدار قوة الحكومة في تطبيق الضوابط والقوانين الإسلامية، وهنا اشارة واضحة الى ضرورة وجود قيمة حقيقة للرأس المال السياسي.

مؤكدا ان جوهر الدين هو البناء الروحي للانسان لكي يستطيع تجاوز محنة حب الذات (اي تفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة)، والتي تتقاطع مع تطبيق مفردات الحكم الرشيد التي تنشد الى تحقيق حكم شفاف، خالٍ من العبث والفساد. فالدين يسعى من خلال الممارسات الروحية الى حث الانسان، التحلي بالعمل الصالح والذي هو هدف اساسي لبناء دولة حضارية (فالممارسة العبادية الروحيىة التي تخلو من التجارة مع الله بتقديم اعمال تتصف بالعمل الصالح غير مجزية بالفوز برضا الله). عليه فالدين بجوهره السعي لتحقيق المصالح العامة والتي عادة ما تتقاطع مع النزعة الذاتية او المصلحة الخاصة.

من الجدير بالذكر ان العالم الاقتصادي المعروف “دوكلس نورث” قدم بحثا مماثلا فسّر التفاوت بالاداء الاقتصادي بمقدار القدرة على تطبيق القوانين النوعية الداعمة، وقد توج عمله بالحصول على جائزة نوبل بالاقتصاد عام 1993 . وقد تبنى “نورث” مصطلح المأسسة (Institution)

ويُعَرِّف نورث المأسسة على أنها الضوابط التي يتم تبنيها بالمجتمعات المختلفة، وهي على نوعين:  المأسسة الرسمية المتمثلة بالدساتير والقوانين وحقوق الملكية.. الخ، والمأسسة غير الرسمية، التي تمثل الأعراف والتقاليد وقواعد السلوك ومنظومة القيم، ويؤكد أن هذه المأسسة هي التي تمنح لكل اقتصاد بنية الضوابط والحوافز الضرورية للتطور والارتقاء.
انطلق نورث من قراءة التاريخ الاقتصادي للغرب والولايات المتحدة بشكل خاص،  للاستدلال على هذا الافتراض، والوقوف على الدور الذي لعبه بروز بعض المؤسسات في التطور الاقتصادي للبلدان الغربية. ويرى في هذا الإطار أن التطور التقني الذي شهدته المجتمعات الغربية عقب الثورة الصناعية، لم يكن لوحده كافيا للدفع بعجلة التنمية الاقتصادية إلى الأمام ، وإنما تطلب الأمر توفر  المأسسة في اطارها الرسمي وغير الرسمي .

* المعهد العراقي للاصلاح الاقتصادي

للاطلاع على المزيد في جريدة الصباح اضغط هنا

Comment here